عالم الصحة

زرع الأعضاء وتحدياته

هناك العديد من الأمراض التي تؤدي لقصور نهائي في وظائف الأعضاء كالقصور الكلوي أو الكبدي أو القلبي.
قديكون الحل عند هؤلاء المرضى هو اللجوء للأجهزة المعيضة كجهاز غسيل الكلية(التنقية الدموية) أو التحال البريتواني .
منذ إجراء جون موري عام 1954 أول عملية زرع للكلية فتحت آفاق جديدة للمرضى حيث قدم خيار الزرع حل دائم ونهائي لمرضى القصور الكلوي ومن ثم توالت النجاحات بزرع القلب والقرنية والكبد والبانكرياس والرئتين.
ابتدأ الزرع في الكلى من قبل متبرع حي لكلية وحيدة لكن المشكلة كانت عند مرضى قصور  القلب أو القصور الرئوي حيث لاإمكانية للتبرع من متبرع حي مما أدى لإدخال مفهوم التبرع من قبل المتوفين دماغيا  .
يمكن لزرع الكلية أو زرع الكبد النصفي أن يجريا من قبل متبرع حي لكن ذلك يستحيل في حالات زرع القلب أو الرئتين.
يمكن للشخص المتوفي دماغيا الواهب أن يقدم أعضائه لستة مرضى محتاجين على الأقل(كليتين لمريضين,قلب لمريض,رئتين لمريض أو أثنين,بانكرياس لمريض أو اثنين,كبد لمريض أو نصفي كبد لمريضين,قرنيتين لمريض أو قرنية لمريضين)
إن المشكلة الرئيسية التي تواجهنا في برامج زرع الأعضاء هو توفر الأعضاء للزرع وهي مشكلة مزمنة وتزداد باضطراد.
إن الحاجة الملحة للأعضاء لبرامج الزرع تتطلب تفعيل برنامج التبرع من المتوفين دماغيا بشكل سريع لأنه من غير المقبول إنسانيا و أخلاقيا ترك هؤلاء المرضى بمراحل قصور أعضائهم النهائية بدون حل لمشكلاتهم.
ولاستيعاب المشكلة يكفي أن نعرف أننا في سورية قد قمنا منذ أواخر السبعينيات حتى نهاية 2018 بما يقارب خمسة آلاف زرع كلية بوسطي 110  زروع سنويا مع زرع العديد من القرنيات(1350) وعملية زرع قلب وحيدة 1986 وعملية زرع كبد جزئي وحيدة ب2016
يقابل ذلك آلاف المرضى الموضعين على برامج التحال البريتواني والكلية الاصطناعية مع ما تمثله من معاناة أسبوعيا وضياع لوقت المريض والحاجة للأدوية والمتابعات الدورية إضافة للكلفة العالية لمواد جلسات الغسيل.
تجرى عمليات زرع الكلية حاليا في ستة مراكز حكومية للكبار والصغار كما أنه تم تدريب أكثر من طاقم لعمليات زرع الكبد وأظن أنا مشكلة تدريب وتأهيل الكوادر يمكن تجاوزها بفترة بسيطة عن طريق الابتعاث لمراكز زراعة الأعضاء في الدول الشقيقة والصديقة مع تميز إيران بمراكزها وخاصة مركز شيراز .لكن تبقى المعضلة الأساسية هي توفر الأعضاء للزرع .
في فرنسا على سيبل المثال كان التوجه باعتبار جميع المواطنين الفرنسيين متبرعين حكما بأعضائهم في حالة وفاتهم دماغيا ومن لايرغب بذلك عليه تثبيت ذلك قضائيا مع فقدانه للأولوية في الحصول على عضو للزرع من متوف دماغيا في حال الحاجة لذلك.
هناك مفاهيم مغلوطة حول الوفاة دماغياعند الناس  فمثلا في حال حدوث رض شديد على الرأس أو نزف دماغي واسع غير عكوس مما يؤدي للوفاة دماغيا مع بقاء القلب والتنفس يعملان حسب الأجهزة والمريض في حال فصله عن الأجهزة سوف يتوقف القلب والتنفس لكن وجوده على الأجهزة تمنع إثبات الوفاة شرعيا.
يشخص وفاة الإنسان دماغيا من قبل طبيب عصبية أو جراح عصبية برتبة مستشار مع طبيب تخدير أو عناية مشددة برتبة مستشار بعد إجراء عدة اختبارات للمنعكسات الدماغية وجذع الدماغ وفي حال المصاب المرشح للزرع يعاد التقييم من قبل استشاري عصبية واستشاري تخدير اخرين بعد 12 ساعة على أن لايكونا من ضمن طاقم الزرع والقطف لتجنب التسرع في القرارات للرغبة بالزرع.
وعند تأكيد الوفاة دماغيا مع وجود الموافقة على التبرع تكون هناك شبكة لتبادل المعلومات حيث تجرى اختبارات للزمر النسيجية للمتوفى دماغياوإبلاغ مراكز الزرع عن توفر الأعضاء ليصار للقطف حسب الأعضاء المحتاجة مع وجود مواصلات سريعة وأجهزة حفظ للأعضاء المقطوفة .يصار لزرع الأعضاء المقطوفة حسب التوافق النسجي بالزمر وحسب أولوية وحراجة كل حالة.
إن تفعيل هذا البرنامج يتطلب توافر العديد من الخبرات والمهارات في طواقم الزرع والقطف والتشريح المرضي لتحديد الزمر النسجية والتوافق مع وجود خبرات في الأشعة التداخلية الوعائية (لو حدث خثار في توعية العضو المزروع).
إن زرع أي عضو ليس إلا البداية حيث يحتاج مريض الزرع لمتابعة حثيثة في العناية المشددة ومن قبل أطباء الداخلية لتحديد الكبت المناعي وتشخيص حالات الرفض لاسمح الله والوقاية من الانتانات والأورام التي قد تحدث بسبب التثبيط المناعي وتقييم وظيفة وفعالية العضو المزروع.
في كل دول الشرق الأوسط بدأت برامج الزرع من المتوفين دماغيامنذ فترات طويلة كإيران وتركيا والسعودية وكانت أخرها الكويت التي أجرت في 2018 عدة عمليات زرع كبد من متوفين دماغيا كما يتحضر الأخوة في فلسطين للبدء في برنامجهم لزرع الكبد من المتوفين دماغيا هذا العام 2019.
فهل يعقل أن سورية مهد الحضارات تبقى بعيدة عن هذا التطور الذي يخفف من معاناة مرضانا ويعكس كفاءة ومهارة أطقمنا الطبية
طرح في الآونة الأخيرة فكرة زرع أعضاء الخنازير كونها سريعة التكاثر وبنيتها النسيجية مشابهة للإنسان كحل لمشكلة الندرة في الأعضاء المتوافرة للزرع ونأمل بالتوصل لتطبيقها عمليا في القريب العاجل كمصدر للأعضاء المتوفرة للزرع.
قال الله تعالى (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)وأي شيء أروع من استمرارية الشخص بعد وفاته في جسد المتلقي وقد أيد كل من مفتي الجمهورية العربية السورية وممثلي الديانة المسيحية القانون رقم 30 الصادر عام 2003 الناظم للتبرع بالأعضاء من المتوفين دماغيا ونأمل من المركز الوطني لزراعة الأعضاء الإسراع بوضع القواعد الناظمة للتبرع من المتوفين دماغيا مع تهيئة الأطر العلمية واللوجستية اللازمة للبدء ببرنامج المتوفين دماغيا مع توعية الناس بأهمية هذا البرنامج وفوائده .

مقالات ذات صلة